الحب في لغتنا العربية مستمد من اللزوم والثبات كما يقول ابن فارس، وذكر «الفراهيدي» ان البعير الذي يحسر (اي يضلع لاذى في رجله) فيلزم مكانه يسمى: المحب، ثم يمضي صاحب «كتاب العين» فيقول الاحباب في الابل مثل الحران في الدواب، اي ان الحب اصلاً، اذى يصيب كما يصيب المرض، فيمنع من الحركة، ويؤدي الى التوقف والشلل، وربما العناد، وهذا يعني اصالة الحب عند العرب.
والحب في لغتنا، لفظ يجر معناه وراءه سلسلة من المعاني: فالهوى عند الثعالبي، اول مراتب الحب، ثم تأتي العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب، ثم العشق وهو اسم لما زاد عن المقدار، الذي اسمه الحب، ثم الشغف (بالعين المهملة) وهو احتراق مع لذة يجدها، ثم الشغف وهو ان يبلغ الحب شغاف يستعبده ومنه سمي (تيم الله) اي عبدالله ومنه رجل متيم، ثم التبل وهو ان يسقمه الهوى، ثم التدليه، وهو ذهاب العقل من الهوى، ومنه رجل مدله، ثم الهيوم وهو ان يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه، ومنه رجل هائم، ويمكن ان نضيف الخلة وتعني الصداقة الحميمة وقيل فيها:
قد تخللت مسلك النفس مني
ولذا سمي الخليل خليلا
فاذا ما نطقت كنت حديثي
واذا ما سكت كنت الغليلا
وجاءت كلمة الحب في القرآن الكريم في اثنين وثمانين موضعاً واما في الاصطلاح: فالحب في معناه العام، عاطفة يؤدي تنشيطها الى نوع من انواع اللذة مادية كانت ام معنوية.
ولابد ان نشير الى ان الحب الافلاطوني اختلط بالحب العذري، والحب الافلاطوني هو بحث وراء الحقيقة والجمال ويقوم به شخصان من جنس واحد تلهمهما عاطفة متبادلة.
أما الحب العذري فهو اسلوب من الحب عرفت به قبيلة من العرب تعرف ببني عذرة وهي تنتمي اساساً الى قبائل قحطان من اليمن.
والحب العذري هو حب أبدي، حتى الموت، اذا بدا فلا نهاية له الا بنهاية المحب، ومنطلقه رهافة الحس وعفة النفس وجمال صارخ في النساء العذريات.
وقد سئل أعرابي منهم: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تذوب كما يذوب الملح في الماء، أما تبصرون؟
قال: اننا لننظر الى محاجر أعين لا تنظرون اليها!
وقيل لعذري آخر: ممن انت؟ فقال: من قوم اذا احبو ماتوا!
فقالت امرأة سمعته: عذري ورب الكعبة!
وذكر جميل بن معمر العذري، الشاعر، ان مجرد مقاومة هينة لعاطفته تعني عذاباً طويلاً وضنى شديداً وذلك في قوله:
فإن هي قالت لا سبيل فقل لها
عناء على العذري منك طويل
وهكذا عرف بنو عذرة بشدة العشق والعفة ومن هنا ذكر في الاخبار انه قيل لأحدهم:
ما بال الرجل منكم يموت في هوى امرأة. فقال: لأن فينا جمالاً وعفة، وانتهى الامر بان المحب اذا اجتمعت فيه العفة واحتمال الاسقام والآلام كان هواه عذرياً، حتى ولو لم يكن من بني عذرة أو حتى من العرب.
ويلاحظ ان عرب الجنوب وبالتحديد اليمانيون كانوا يتصفون بصدق العاطفة وعمق الايمان وسعة الحكمة.